حومة الكوشة : خمسينات وستينات القرن الماضي .
بقلم المربي السيد محمد الفهري:
من يذكر حومة الكوشة يذكر حومة من أعرق أحياء منزل تميم ، ينسبون هذه التسمية إلى وجود كوشة في التاريخ القديم لصنع الفخار حسب شهادة بعض المسنين ضمن الذاكرة الشعبية التميمية وصار البعض يسميها أيضا حومة التوتات لوجود توتتين تتوسطان فضاءها المركزي منذ زمن قديم .
هو فضاء متسع نسبيّا تحيط به المباني من كلّ الجهات وتلتقي فيه عدّة روافد هي عبارة عن طرقات ولكنّها في الحقيقة أحياء أخرى تصبّ في هذا الفضاء : رافد من حومة الغرفة من الناحية الغربية ،
رافد من طريق الصّقالبة من الناحية الشمالية الغربية ورافد من حومة الخرّوبة سابقا ومعاوية التميمي حاليا من الناحية الشمالية الشرقية ورافد من جهة سيدي الفيلالي من الناحية الجنوبية وكلّ الوافدين من هذه الأحياء يقضون حوائجهم المختلفة من دكاكين حومة الكوشة ويمضون أوقات فراغهم وأوقات راحاتهم في مجالس حومة الكوشة وهي مجالس تختلف من فصل إلى آخر ففي فصل البرد يجلسون داخل الدّكاكين المعدّة للاجتماع وشرب الشاي أمّا في فصل الصيف فهي نكهة أخرى إذ يُرشّ الفضاء بالماء ويُكنس وتُفرش المفروشات وتوضع محابس الحبق ويحضر البرّاد والكانون ويتحلّق الناس حلقا حلقا حسب المجالس يتجاذبون أطراف الحديث ويشربون الشاي كامل المساء ، يقضون صلواتهم في مسجد الحومة بزاوية التيجانية أو سيدي أحمد التيجاني أو في مسجد سيدي الفيلالي وفي الليل يعودون إلى مجالسهم أين يقضون سهراتهم الطويلة خاصة من ليس لهم شغل يربطهم أمّا الفلاّحون فينامون باكرا .
تغلب الصبغة الفلاحية على سكّان حومة الكوشة ولكنّ الأشغال الفلاحية لها عدّة متطلّبات لذلك توفّرت في الحومة عدّة مهن مرتبطة بالفلاحة لإعداد الأدوات أو لإصلاحها فصار من الضروري فتح دكاكين حدادة لإصلاح المحاريث أو بقية الأدوات اليدوية الأخرى كالمسحاة والقادوم والمشط والمناجل لحصاد الزرع وغيرها وفتح دكاكين للنجارة العتيقة ( نجار زبوزي ) أي صنع أيدي المعاول من العود أو إصلاح خشب العربات المجرورة بالحيوانات ، وتجد أيضا " الماريشال فيرّان " أي الرجل الذي يقوم بوضع صفائح حديدية في حوافر الدّواب بعد تقليمها ، رحم الله العمّ حسن لهواق كان صفّاح الحومة المشهور في ذلك الوقت .
أمّا متطلّبات المتساكنين الأخرى فهي تتعلّق بدكاكين التجارة الكثيرة في الحومة ( ما كنّا نسمّيه العطّار ) فالسكّان يجدون ضالّتهم عند العطّار فهو يبيع كلّ شيء وفي هذا الصدد ، أسوق لكم مثالا عن أشهر عطّار في حومة الكوشة في تلك الفترة هو المرحوم "لسود بوسلطانة " الذي يوفّر دكّانه للمتساكنين كلّ ما يحتاجون إليه من مواد غذائية كالسّميد والفرينة والعجائن والشاي والسكّر والقهوة والزّيت والصّابون والشوش والقرفة والزعفران والكؤوس لشرب الشاي ،
وأحيانا كنّا نقضي حوائجنا من عند العطّار بما يشبه البيع بالمقايضة حيث كان الفلس نادرا لا يتوفّر في أيدي العائلة بسهولة فكانت أمّي ترسلني ببيضتين أو أربع بيضات أو بصاع من الحبوب فيقبلها منّي بثمن معيّن يحدّده هو كما يشاء ويزوّدني بما أحتاج من بضاعة . هذا كلّه طبيعي بالنسبة للعطّار ولكنّ المرحوم " لسود بوسلطانة " كان يوفّر بالإضافة إلى ذلك كلّ مايحتاجه نجّار الحومة أو حدّادها من مسامير ورواشك وكوب ومفاتيح وكلّ ما يلزم حرفهم .

مبادرة طيبة...بالتوفيق.
ردحذف