حومة الكوشة : خمسينات وستينات القرن الماضي (الجزء الثالث و الأخير)
بقلم المربي محمد الفهري:
( ملاحظة : ما أنشره لا أدّعي فيه اختصاصا في كتابة التاريخ ولكنّه خواطر تاريخية من الواقع المعيش في فترة زمنية محدّدة قابلة للإثراء )
وبما أنّ الصبغة الفلاحية هي الطاغية على سكّان حومة الكوشة فإنّ أغلب المساكن تأقلمت لإيواء البشر والأنعام والدّواب وهي تكتفي بطبقة أرضية واسعة وقلّ وندر أن تجد دارا عليها طابق علوي صغير .
فالمنزل يحتوي على سقيفة شاسعة ودكّان أو إسطبل إن أمكن ، تفضي بك السقيفة إلى فناء المنزل الواسع والمُحاط بعدّة غرف ومطبخ ومخزن للمؤونة ،
وإذا لم يقدر الفلاّح على توفير إسطبل بمسكنه فإنّه يستغلّ السقيفة أو فناء المنزل لإيواء أنعامه ودوابه بخلاف الأثرياء والميسورين الذين يخصّصون المآوي لحيواناتهم ومع ذلك لم نكن نتأفّف من تناثر الفضلات هنا وهناك ولا من روائحها وعندما تتكاثر في المرابض يخصّص الفلاح يوما للتنظيف وإخراج تلك الفضلات إلى النهج فتكدّس أمام المنزل في انتظار العربة لجرّها إلى الحقل ونشرها على الأرض كسماد طبيعي يغذّي الزرع والخضر والبقول والأشجار دون التفكير في الأسمدة الكيميائية التي لم تكن متوفّرة بكثرة في ذلك الوقت .
أمّا في ما يخصّ الهندسة المعمارية للمساكن فهي متأثّرة بالطابع الأندلسي فأغلب الأبواب ينتهي أعلاها بنصف دائرة وأحيانا هي منقوشة بزخارف هندسية جميلة وهذا يعود إلى تأثير الهجرة الأندلسية في الناحية المعمارية للبلاد التونسية بصفة عامة ويظهر هذا التّأثير في جميع مجالات الحياة لدى التونسيين : مجال الفنّ والثقافة والغناء والموشحات ، مجال الفلاحة والغراسات الجديدة مثل غراسة الكروم وأشجار العود الرّقيق وازهار الورد والياسمين والفلّ والنسرين مع عدّة مجالات أخرى .
وتتواصل الحياة العادية لدى أبناء الحومة ففي كلّ يوم ومع أذان الدّيكة وزقزقة العصافير في الفجر وبعد صلاة الصبح تبدأ الحركة وتشتدّ الجلبة ، إنّهم الفلاّحون شدّوا عرباتهم إلى دوابهم وأخرجوا إبلهم وأبقارهم وملؤوا الحومة والأنهج المتفرّعة عنها قاصدين أراضيهم وحقولهم ومراعيهم لبدء يوم جديد من البذل والعطاء والكدح " يا أيّها الإنسان إنّك كادح إلى ربّك كدحاً فملاقيه " ويتكرّر هذا المشهد في المساء مع غروب الشمس عند عودتهم من أراضيهم مصحوبين بمواشيهم مرهقين متعبين من عمل النهار ولكنّهم راضون بما قدّموا من أعمال متوكّلين على الله داعين أن يكلّل أعمالهم بالنجاح ويبارك لهم في الصّابة المنتظرة .

ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق